أميركا بالعربيتقارير

السياسي المخضرم لا يزال نشطًا بعد مرور قرن.. هنري كيسنجر يحتفل بعيد ميلاده الـ100

احتفل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، اليوم السبت، بعيد ميلاده رقم 100، حيث كان قد ولد في مثل هذا اليوم 27 مايو من عام 1923 في ألمانيا، قبل أن يهاجر إلى أمريكا مع عائلته وهو في سن المراهقة.

وكان السياسي المخضرم العجوز قد شارك يوم الثلاثاء الماضي في حفل تكريم بنادي نيويورك الاقتصادي النخبوي، حيث أطفأ شموعا على كعكة من الشوكولاتة احتفالًا بمناسبة بلوغه 100 عام.

وكان هذا ظهورًا مميزًا، حيث أنه لا يعد يظهر علنًا إلا نادرًا، وغالبا ما يشارك في فعاليات عن طريق الفيديو، كما حدث في مؤتمر دافوس في يناير الماضي.

وفي مقال كتبه لصحيفة “واشنطن بوست” تحدث ديفيد كيسنجر، ابن هنري كيسنجر، عن عيد ميلاد والده رقم 100 قائلاً: “طول عمر والدي معجزة، خاصة عندما يفكر المرء في النظام الصحي الذي اتبعه طوال حياته، والذي يتضمن نظاماً غذائياً ثقيلاً، ومهنة صنع القرار بلا هوادة، وحب الرياضة كمتفرج لا يمارسها أبداً”.

وأضاف: “أعلم أنه لا يمكن لأي ابن أن يكون موضوعياً حقاً بشأن إرث والده، لكنني فخور بجهود والدي لترسيخ فن الحكم بمبادئ متسقة وإدراك للواقع التاريخي. هذه هي المهمة التي سعى إليها في الجزء الأكبر من حياته لمدة قرن، مستخدماً عقله النادر وطاقته الثابتة لخدمة البلد الذي أنقذ عائلته ومنحه رحله تفوق أكبر أحلامه”.

تاريخ دبلوماسي

ولد كيسنجر في مثل هذا اليوم 27 مايو من عام 1923 في ألمانيا، ولجأ في سن الخامسة عشرة إلى الولايات المتحدة بعد أن فرّ مع عائلته من النظام النازي، قبل أن يصبح مواطنًا أمريكيا في سن العشرين.

والتحق كيسنجر بالاستخبارات العسكرية والجيش الأمريكي قبل أن يبدأ دراسته في جامعة هارفارد، حيث كان طالبا لامعًا وعمل في التدريس أيضًا.

وبدأ طريقه نحو أن يصبح وجهًا للدبلوماسية العالمية عندما دعاه الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض ليتولى منصب مستشار للأمن القومي في الفترة من يناير 1969 حتى نوفمبر 1975، وخلال شغله للمنصب تولى مهمة وزير الخارجية ليشغل المنصبين معًا في الفترة من 1973 إلى 1975، واستمر سيدًا للدبلوماسية الأمريكية في عهد جيرالد فورد حتى 1977.

وعُرِفَ كيسنجر بدوره الرئيسي في السياسة الخارجية الأمريكية في الستينيات والسبعينيات، ويعتبر أحد الذين وضعوا الأطر الأساسية لسياسة أمريكا الخارجية مع العالم، والتي استمر وزراء الخارجية من بعده في تطبيقها.

وخلال 8 سنوات قضاها كمستشار للأمن القومي وكوزير للخارجية، شارك كيسنجر في أحداث السياسة الخارجية الكبرى، وكان لاعبًا رئيسيًا في الدبلوماسية العالمية خلال الحرب الباردة.

ففي تلك الفترة قاد الانفراجة في العلاقات بين الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي، وبرز كمحرك رئيسي للجهود الدبلوماسية بين البلدين بدءًا من عام 1967 حتى عام 1979 لتقليل توترات الحرب الباردة، وذلك من خلال مفاوضات التجارة والأسلحة، بما في ذلك معاهدات الحد من الأسلحة الإستراتيجية.

كما لعب دورًا كبيرًا في تحسن العلاقات بين أمريكا والصين في عهد ماو، وقام برحلات سرية لتنظيم زيارة نيكسون التاريخية إلى بكين في عام 1972.

كما أجرى، وبسرية تامة أيضًا، مفاوضات مع (لي دوك ثو) لإنهاء الحرب الأمريكية في فيتنام. وبسبب دوره في محادثات باريس للسلام التي أدت إلى إنهاء الصراع في فيتنام وسحب الجيش الأمريكي من هناك، تم منحه جائزة نوبل للسلام عام 1973، في واحدة من أكثر الجوائز إثارة للجدل في تاريخ نوبل.

وظل كيسنجر أحد أكثر مستشاري نيكسون الموثوق بهم خلال إدارته من عام 1969 إلى عام 1974، ونمت قوته من خلال قضية ووترغيت التي أسقطت الرئيس السابع والثلاثين.

وكان جيرالد فورد، الذي صعد من منصب نائب الرئيس إلى منصب الرئيس بعد استقالة سلفه، قد منح كيسنجر وسام الحرية الرئاسي في عام 1977، قائلاً إن كيسنجر “استخدم القوة العظمى لأمريكا بالحكمة والرحمة في خدمة السلام”.

وبعد تركه الخدمة الرسمية، أسس وترأس شركة Kissinger Associates، وهي شركة استشارية دولية.

استمرارية استثنائية

ورغم بلوغه 100 عام لا يزال هذا السياسي العجوز، بقامته المحنية، ونظارتيه الشهيرتين بإطارهما الكبير الداكن، نشيطًا على الساحة السياسية الأمريكية والعالمية، ولا زال يدلي بدلوه في العديد من القضايا والتطورات ويصغي إليه كثيرون من السياسيين وصناع القرار.

ويرى مراقبون أن هذه الاستمرارية التي حافظ عليها كيسنجر على مدى قرن من الزمان “استثنائية”، فلا زال الرجل العجوز، بمكتبه في نيويورك وشركته الاستشارية، يحتفظ بمكانة كبيرة نسبيا لدى النخبة في واشنطن والخارج، بما في ذلك البيت الأبيض أثناء إدارة ترامب، والديمقراطيين مثل وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون التي سبق أن قالت إنها “تعتمد على نصائح صديقها”.

وفي عيد ميلاده المائة، ما زال كيسنجر يلقى آذانا صاغية من كبار قادة العالم، ويقدم نصائحه بمهارة في القضايا الجيوسياسية، وما زال يثير إعجابًا بقدر ما يسبب انقسامًا، وفقًا لوكالة “أسوشيتد برس“.

وفي السنوات الأخيرة واصل كيسنجر السيطرة على سماسرة السلطة في واشنطن كرجل دولة كبير السن. حيث قدم المشورة للرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين، مع الحفاظ على عمل استشاري دولي يلقي من خلاله خطبًا باللهجة الألمانية التي لم ينساها منذ فراره من النظام النازي.

محل خلاف

ويعد كيسنجر، الذي ترك بصمته على السياسة الخارجية لأمريكا في النصف الثاني من القرن العشرين، واحدًا من أكثر الساسة العالميين الذين اختلف عليهم المؤرخون والخبراء، حيث تباينت آراؤهم حول قراراته، ودوره الرئيسي في السياسة الخارجية الأمريكية في الستينيات والسبعينيات.

وأصبح اسمه مرتبطًا بشكل وثيق بالعديد من النزاعات الأكثر إثارة للجدل، بما في ذلك المحاولات النهائية لسحب القوات الأمريكية من فيتنام.

وبينما يعتبره البعض صاحب رؤية حكيمة يراه آخرون غير ذلك، حيث يتهمه البعض بأنه قام بانتهاج سياسات عملت لصالح تحقيق المصالح الأمريكية، بينما كان يساعد أو يشجع الأنظمة القمعية في باكستان وتشيلي وإندونيسيا.

وتحمل كيسنجر، إلى جانب نيكسون، العبء الأكبر من الانتقادات من الحلفاء الأمريكيين عندما استولت القوات الشيوعية الفيتنامية الشمالية على سايغون في عام 1975.

بالإضافة إلى ذلك، اتُهم كيسنجر بتدبير توسع الصراع في لاوس وكمبوديا، مما أتاح صعود نظام الإبادة الجماعية للخمير الحمر الذي قتل ما يقدر بنحو مليوني كمبودي.

ويرى مراقبون أن كيسنجر خلال نهجه السياسي كان معتمدا على رؤية براغماتية للعالم تعد نوعًا من “السياسة الواقعية” على الطريقة الأمريكية.

ويبدو أن رؤيته للعالم لم تتغير، فقد أكد مؤخرًا أنه من واجب الولايات المتحدة الدفاع عن “مصالحها الحيوية”. وبالنسبة للحرب في أوكرانيا دعا إلى وقف إطلاق النار، بعد أن رأى أن أمريكا وصلت إلى نقطة حققت فيها هدفها الاستراتيجي، معتبرا أن محاولة روسيا لغزو أوكرانيا فشلت.

لكن مراقبين آخرين يرون أن صورة كيسنجر ما زالت مرتبطة بصفحات مظلمة في تاريخ الولايات المتحدة مثل دعم انقلاب 1973 في تشيلي أو غزو تيمور الشرقية في 1975، وبالتأكيد فيتنام، وأن سياسته تسببت في مقتل مئات الآلاف وتدمير الديمقراطية في عدد من البلدان، ورغم ذلك لم يواجه أي ملاحقات قضائية، ورفضت دعوى كانت قد رفعت ضده في عام 2004.

ووفقًا لشهادات ناجين فإن حملة القصف الأمريكية في كمبوديا بين 1969 و1973 التي كان هنري كيسنجر مهندسها، أودت بحياة عدد من المدنيين أكبر بكثير مما تم الاعتراف به. كما يشير البعض إلى أنه دعم الإبادة الجماعية في بنغلادش في عام 1971.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن هناك مفارقة تتمثل ففي أننا نتذكر أن كيسنجر صنع السلام، لكننا ننسى كل ما فعله لإطالة أمد الحرب في فيتنام وكمبوديا ولاوس.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى