اقتصادالراديو

هل اقترب الاقتصاد من الركود وما هو تأثيره على الأسعار والقروض؟.. د. عارف دليلة يجيب

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

فقرة هامة حول أهم التوقعات للاقتصاد العالمي والأمريكي خلال العام الجاري 2023، مع الدكتور عارف دليلة، الخبير والمفكر السياسي والاقتصادي السوري البارز.

تناولت الفقرة حقيقة التحذيرات التي أطلقها البنك الدولي مؤخرًا عن اقتراب الاقتصاد العالمي بشكل خطير من الركود هذا العام، مع تسجيل ثالث أضعف نمو سنوي يحدث خلال 3 عقود، بعد حالات الركود السابقة التي نتجت عن الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة كورونا في عام 2020.

أجاب الدكتور دليلة عن العديد من التساؤلات، منها هل اقترب الاقتصاد العالمي من الركود بالفعل؟، ولماذا سجل هذا التراجع الكبير في معدلات النمو، وكيف طال هذا التراجع الاقتصادات الكبرى في العالم رغم قوتها؟، كيف ستؤثر تداعيات الركود وتراجع النمو على الأسواق والمستهلكين، وإلى أي مدى ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتكلفة الاقتراض، وما هي أهم النصائح للمستثمر والمواطن العادي لمواجهة هذه التداعيات؟

الدكتور عارف دليلة هو مفكر سياسي واقتصادي بارز، أستاذ الاقتصاد السياسي والاقتصاد السوري والعربي والدولي في الجامعات السورية وعميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق سابقًا، خبير اقتصادي عربي، له العديد من الكتب الاقتصادية المؤلفة والمترجمة المنشورة في سوريا وبيروت والعديد من الأبحاث والاقتصادية والسياسية.

وهو معارض للفساد والاستبداد على مدى عقود، تعرض الصرف من الخدمة عام 1998 والاعتقال في عام 2001، وحكم عليه بالسجن الانفرادي 10 سنوات، أخلي سبيله عام 2008، وعاد لإلقاء المحاضرات ونشر البحوث المعارضة والمشاركة في الحراك الوطني للتغيير.

خطر الركود
* نبدأ من تحذير البنك الدولي بأن الاقتصاد العالمي معرض لخطر الركود، فهل فعلًا اقترب الاقتصاد العالمي من الركود؟، ولماذا سجل هذا التراجع الكبير في معدلات النمو؟، وكيف طال هذا التراجع الاقتصادات الكبرى في العالم رغم قوتها؟

** الأرقام تشير إلى أنه الآن في حضيض الركود للأسف، لأنه لا يوجد الآن في النظام الدولي شيء يعمل بطريقة عادية، بل كل شيء انقلب انقلابًا جذريًا من حيث عملية الإنتاج الزراعي والصناعي في كل البلدان، عمليات النقل والتأمين وغيرها.

تقرير مؤسسة النقد الدولي هو تقرير لمؤسسة تنفيذية، للبحث في مدى تحقق قرارات المؤسسة “التشريعية”، التي هي منظمة الأمم المتحدة عندما اجتمع الدول الأعضاء في سبتمبر 2000 وأقروا أهداف الألفية الثمانية، ونحن الآن بصدد أهداف العام 2030، وهي 17 هدفًا وغايات ومؤشرات كثيرة.

ولكن للأسف كأننا نقرأ في كتابين متناقضين بين الهيئة التشريعية التي هي الأمم المتحدة والدول الأعضاء، وبين البنك الدولي الذي يعتبر أحد المؤسسات الثلاثة للنظام الدولي الاقتصادي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية؛ وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

الأمور تختلف من سنة لأخرى، فما جرى الحديث عنه في عام 2000 تحقق النقيض له تماما في عام 2015، والآن نحن أمام أهداف التنمية المستدامة لجميع دول العالم ولكن الظروف تجري بعكس ما كان مخططًا له.

المسبب الرئيسي
* إذا أردنا أن نضع إصبعنا على المسبب الرئيسي وراء هذا التراجع، فمن نحمّله هذا التراجع؟

** هذه المؤسسات لا تتحدث، إنها تصدر تقارير تنفيذية وليست سياسية، فهي لا تشير إلى الممارسات المسؤولة عن هذا الانحراف، لكن كل ما يمكن قوله هو أن هذه الانحرافات تكاد تبلغ حد التناقض الصارخ، والسبب هو أن دول العالم التي يفترض أنها مسؤولة عن ذلك تعمل ضد ما كانت قد خططت له سابقًا أو على الأقل أشارت إليه إعلاميًا.

مجموعة البنك الدولي تقول عن عام 2022، إن الارتباطات التجارية بلغت لديها 104 مليار دولار، والمدفوعات بلغت 67 مليار دولار فقط، ولو قارننا بين هذا الرقم وبين أهداف التنمية، سواء أهداف التنمية في عام 2000 أو أهداف العام 2015 وأهداف التنمية المستدامة لعام 2030 وخطابها الرائع.

وبين هذه الأرقام الحالية، سنجد أن هذا المبلغ هو خسارة يوم واحد من الاضطرابات العسكرية التي تجري على الأرض في كل نواحي المعمورة، وبالأخص بين قوى الكبرى، وخسائر هذه الاضطرابات والحروب تزيد أحيانا بكثير عن هذا المبلغ.

وبالتالي ـ نظريًا ـ لا يمكن أن نلوم المسؤولين عن هذه المؤسسة أو أن نحمّلهم المسؤولية، وإنما المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على القادة السياسيين، وبشكلٍ أساسي على منظمة الأمم المتحدة التي وصل التناقض بين دورها وممارستها وبين أهدافها حدًا كبيرًا.

فلا بد من نهجٍ جديد ومن منطلق جديد يقرّب العالم ويلغي هذه الصراعات غير المعقولة والتي تذهب بموارد البشرية بالكامل في اتجاه مضاد لما يجب أن توظف من أجله، كما أن هناك معاناة في كل الدول بما فيها الدول الغنية من سوء توزيع الثروة وهدرها في أمور بعيدة عن مصالح الإنسانية.

من المستفيد؟
* لكن هذا الركود أصاب الدول العظمى أيضا، فهنا في أمريكا مثلًا تلاشت الطبقة الوسطى تقريبا، فمن المستفيد هنا الآن؟

** المستفيد هي تلك المصالح الخاصة لسلطات تلك الدول المهيمنة، أو مصالح خاصة لبضعة أفراد في تلك الدول، وهذا التفاوت المذهل جرى الحديث عنه كثيرًا، إذ كيف يمكن لـ 1% من المواطنين أن يمتلكوا حوالي 40% من الثروة الوطنية، وبالتالي هو كمالك يمكنه أن يحرك كل النظام بأكمله لخدمة مصالحه، سواء كان ذلك في الولايات المتحدة أو في أي دولة أخرى.

وإن كان هذا يبرز بشكل خاص في الدول العظمى، فإذا كنا ندعو الدول لتحقيق التكامل من أجل التنمية المستدامة، كيف لا يمكننا أن ندعو إلى هذا التكامل والتعاون بين أبناء الوطن الواحد!

والملاحظ أن هذه الصورة قد انتقلت من النطاق المحلي إلى النطاق العالمي، ونجد أنهم الآن يتحدثون عن المنح والمساعدات التي تقدمها هذه المؤسسات، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ويطلقون عليها أسماءً تضليلية، ففعليًا هي أموال الفقراء التي تُستعاد بآلاف الطرق إلى الدول المهيمنة بعدما استنزفتها منهم.

للخروج من هذا التناقض، فإننا في الواقع بحاجة إلى تشكيل لجنة للكشف عما تفعله هذه المؤسسات، وتحديد المسؤولية وإظهارها للناس، وبالتالي رسم منهجية جديدة مختلفة من أجل تقارب النظرية مع الممارسة.

تداعيات وعوامل
* يتساءل كثيرون عن تداعيات أزمة سلاسل التوريد وارتفاع إصابات كوفيد-19 واستمرار هذه الازمة عالميًا، واستمرار حرب روسيا على أوكرانيا، ألا تعدّ كل هذه عوامل للركود الاقتصادي وما وصلنا إليه من تضخم؟

** فعليًا لم يكن أحد يتوقع كل ما حدث، فمعظم هذه الأمور هي طارئة وفقًا لتوصيف البنك الدولي، وليس هناك ما يكفي من أجل التنمية المستدامة الفعلية، فالتنمية المستدامة تتطلب قرارات ملزمة بشأن البيئة والتغير المناخي، بينما نلاحظ أن الولايات المتحدة في عهد ترامب انسحبت من اتفاقية باريس للمناخ، والآن يحصد العالم الآثار السلبية الضارة للتغير المناخي، ومن ناحية أخرى فإن العالم لم يقف موقفًا متعاونًا في مواجهة الجائحات والأوبئة، بل أصبحت إحدى أدوات الحرب الإعلامية والاتهامات المتبادلة.

أما فيما يخص الديون، فإن القسم الأكبر من مدفوعات الديون التي تسددها الدول النامية والضعيفة أكبر بكثير من الديون الناتجة عن القروض الجديدة التي تحصل عليها، إذن من يساعد من؟، فعليًا فإن هذه الشعوب الجائعة والفقيرة هي التي تدفع الثمن، ومع الأسف فإن زعماء تلك الدول وحكوماتها تابعين لتلك الدول العظمى وهم أيضا مسؤولون عن تأخر دولهم وظلم شعوبهم.

* إلى أي مدى سيؤدي ذلك إلى حدوث ركود أسوأ وارتفاع الأسعار بصورة أكبر خلال العام 2023؟

** سيكون تأثيرها سلبيًا جدا، لأن الأمور ستزداد سوءًا فيما يخص التضخم وانهيار سعر صرف العملات المحلية وجوانب الحياة المختلفة من تعليم وصحة وزراعة وصناعة وكذلك البنية التحتية، وقد يُستثنى من ذلك بعض الدول التي تحقق فوائض في ميزانياتها، أما البقية الباقية فإن شعوبها ستعاني بشكل سيء.

نصيحة لتجاوز الأزمة
* ما هي أهم النصائح لمواجهة هذه التداعيات؟

** أولًا للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية في بعض البلدان العربية، نحن بحاجة إلى اجتماع لمفكرين اقتصاديين يتمتعون بسمعة طيبة وخبرة عميقة ويبدون رأيهم بدقة، وأن يؤخذ برأيهم ويتم تنفيذه.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين