أخبار العالم العربيتقارير

إساءات وتعديات تصل لحد القتل.. العنصرية تلاحق اللاجئين السوريين في لبنان

لا ينكر السوريين فضل الشعوب والدول التي حلوا عليها ضيوفًا ولاجئين خلال سنوات الأزمة والحرب المستمرة في بلادهم، فهناك من تعاطف معهم وفتح لهم الأبواب وعاملهم كأصحاب الدار.

لكن امتداد أزمتهم ولجوئهم لأكثر من 10 سنوات، جعل البعض ينظرون إليهم كضيوف ثقال، وربما كعبء على دولهم، رغم أنهم قاموا بأعمال ناجحة، وبعضهم دشن مشاريع ووظف فيها الكثير من أبناء البلد التي لجأ إليها، وأصبح في مقام المستثمر النافع وليس اللاجئ ثقيل العبء.

لكن بالتأكيد ليس هذا هو حال كل السوريين اللاجئين في الخارج، فكثير منهم يشكو من سوء المعاملة التي يتعرضون لها، ولديهم شعور بأنهم هربوا من جحيم الحرب وظلم نظام بشار الأسد ليقعوا في جحيم آخر جراء الممارسات العنصرية التي يتعرضون لها في البلاد التي حلوا بها كلاجئين.

جريمة قتل

ربما يستطيع اللاجئون السوريون في لبنان تحمل الإساءات اللفظية العنصرية رغم قساوتها لأن الظروف أجبرتهم على اللجوء، لكن ما يواجهه بعضهم يفوق التحمل، خاصة وأنه يصل إلى انتهاكات تمارس بحقهم واعتداءات قد تصل إلى حد القتل.

هذا ما حدث بالفعل في عدة حالات، لعل آخرها مقتل طفل سوري عمره 13 عامًا، يدعى خالد حمود صالح، بعد تعرضه للضرب على يد مجموعة من اللبنانيين، في حادثة صادمة فجرت موجة غضب على مواقع التواصل الاجتماعي.

كان الطفل السوري قد ترك مدينة حمص، ولجأ إلى لبنان، حيث سكن في منطقة “المحمرة” في الشمال، قبل أن ينتقل منذ فترة للعيش في الجنوب مع شقيقه الأكبر، وعمل في محلّ مكانيكي بمنطقة العاقبية، لكن العنصرية كتبت نهايته.

فقد تعرض المسكين للضرب المبرح على يد رجال من عائلة في منطقة “صرفند”، إثر خلاف وقع بينه وبين شاب لبناني، ليقوم والد الشاب وإخوته بالاعتداء على الطفل بقسوة، حيث أوسعوه ضربًا حتى جاء صاحب المحل ‎وخلصه منهم، وتم نقله إلى المستشفى، لكنه توفي هناك متأثرًا بإصاباته. وفقًا لموقع “لبنان والعالم“.

وكرد فعل على الحادث أطلق مغردون وسم #العنصرية_تقتل_السوريين للتعبير عن رفضهم للخطاب العنصري ضد اللاجئين.

تحريض ضد السوريين

الاعتداءات التي يتعرض لها اللاجئون السوريون وغيرهم، والتي وصلت إلى حد القتل، لم تكن وليدة الصدفة، بل غذتها تصريحات أطلقها إعلاميون وسياسيون حرضت على العنصرية والعدائية ضد اللاجئين السوريين.

ولعل أحدث هذه التصريحات ما قالته الإعلامية اللبنانية داليا أحمد، والتي أثارت ردود أفعال واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واتهمها نشطاء ومغردون بـ”العنصرية” و”تبني خطاب الكراهية”.

وكانت داليا قد قالت خلال برنامجها “فشة خلق” على قناة الجديد موجهة كلامها للاجئين السوريين: “عشنا معكم أجمل أيام الانهيار، وتقاسمنا معكم كل شيء.. ولكن الآن لا يوجد لدينا شيء نتقاسمه معكم سوى الهجرة، ومن غير اللائق أن يترك اللبنانيون بلدهم لكم”.

وأكدت أن اللاجئين السوريين يتلقون “أموالا بالدولار من الأمم المتحدة”، وأن بلادهم أصبحت آمنة لعودتهم، واصفة لبنان بأنه “منبع الإنسانية”، لاستقباله لاجئين سوريين على مدار 11 عاما، منذ بدء الاحتجاجات في سوريا.

واعتبر كثيرون أن تصريحات الإعلامية اللبنانية تعد “تحريضا على العنصرية والتمييز ضد اللاجئين السوريين”، وعبّر آخرون عن قلقهم من تسببها في “تأجيج أزمة قابلة للاشتعال بالفعل”.

وأبدى البعض اندهاشه من تصريحات المذيعة، التي كانت ضحية سابقة لحملة تنمر وعنصرية بسبب لون بشرتها الأسود، حيث أنها ذات أصول سودانية ومصرية، ووصلت إلى بيروت وهي طفلة رضيعة.

طرد اللاجئين

وفقًا لموقع “بي بي سي” فإن هذه التطورات تأتي في ظل جدل ونقاش يسود المجتمع اللبناني حول مصير اللاجئين السوريين في البلاد، الذين يقارب عددهم 1.5 مليون لاجئ.

وتحذر جماعات حقوقية، بينها هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، من الإعادة القسرية لللاجئين إلى سوريا، وذلك بعد أن تم توثيق حالات اعتقال وتعذيب واختفاء ارتكبتها السلطات السورية بحق لاجئين عائدين.

وكان البطريرك الماروني في لبنان، بشارة الراعي، قد وجّه رسالة إلى النازحين السوريين، مطالبًا إياهم بالعودة إلى بلادهم.

وقال خلال كلمة له في المجلس الاقتصادي الاجتماعي ​وسط بيروت: “ما يقلقنا هو تزايد عدد اللاجئين والنازحين الذين بلغوا نصف سكان لبنان”، مشيرًا إلى أن هذا التزايد يشكل عبئا اقتصاديًا ثقيلًا على لبنان وخطرًا سياسيًا وديمغرافيًا وأمنيًا وثقافيًا”. وفقًا لموقع “روسيا اليوم“.

وشدد على ضرورة السعي لحل قضية ​اللاجئين الفلسطينيين​ وعودة ​النازحين السوريين​ لبلادهم”، مضيفا: “عودوا إلى بلادكم وتابعوا تاريخكم وثقافتكم، وإن لم تعودوا تكونوا أنتم من تقيمون الحرب الثانية بهدم ثقافتكم وتاريخكم”.

وكان “الراعي” قد قال على هامش مشاركته في مؤتمر كنسي بالعاصمة المجرية بودابست: إنه “على اللاجئين السوريين العودة إلى سوريا لأن الحرب انتهت هناك. وهم لا يريدون الإقرار بذلك، ويصرون على البقاء في لبنان”.

وأضاف أنه لا يُكنّ العداء للاجئين السوريين، لكن لبنان لا يستطيع تحمل مثل هذا العبء، مشيراً إلى أن اللبنانيين يغادرون بلادهم، واللاجئون يحلون مكانهم.

وقال إن “السوريين يعيشون أفضل من اللبنانيين أنفسهم، فلديهم وظائف وأعمال تجارية، إضافة إلى أنهم يتلقون المساعدة من المنظمات الدولية كل شهر، مطالباً بتقديم هذه المساعدات إليهم داخل سوريا”. وفقًا لموقع “تليفزيون سوريا“.

وأثارت تصريحات البطريرك الماروني جدلاً واسعاً وردود أفعال غاضبة، وطالب الناشط وائل عبد العزيز الكنيسة في لبنان بالاعتذار عن هذه التصريحات المسيئة، معتبراً أن تصريحات بشارة الراعي “تحريض مباشر على الجريمة ضد اللاجئين السوريين ودعوة صريحة على شكل فتوى سياسية لاستباحتهم والعمل على تهجيرهم بأي شكل”.

ملاحقة السوريين

في الإطار نفسه صدرت تصريحات ومواقف عنصرية ضد اللاجئين السوريين على لسان مسؤولين كبار في الحكومة اللبنانية، حيث لوّح رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي سابقًا بطرد اللاجئين السوريين ما لم يساعد المجتمع الدولي في إعادتهم إلى بلادهم.

وكان الرئيس اللبناني ​ميشال عون، قد دعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤوليته في تسهيل عودة النازحين السوريين في لبنان لبلادهم. وأشار إلى أن معظم المناطق السورية أصبحت آمنة.

كما أوضح عون أنه “بإمكان هؤلاء النازحين العودة إلى أراضيهم ومنازلهم، والعيش فيها بدلا من الاتكال على المساعدات التي تصلهم من المنظمات الدولية”.

وفي الإطار نفسه قال رئيس “التيار الوطني الحر” في لبنان، جبران باسيل، إنه سيتقدم بمشروع قانون لملاحقة اللاجئين والعمال السوريين، ومنع اللاجئين السوريين من العودة إلى لبنان في حال ذهبوا لزيارة بلادهم.

وقال باسيل عبر صفحته الشخصية بموقع تويتر: “رح نتقدم باقتراح قانون لتغريم أي عامل سوري عنده بطاقة نزوح، لأن لازم يختار بين وضعية العامل ووضعية النازح”.

وأكد باسيل أن القانون المقترح سيمنع عودة أي نازح سوري من سوريا إلى لبنان وذلك في حال كان يملك بطاقة نزوح. وذلك لأن القانون الدولي يسحب صفة اللاجئ ممن زار بلده لمرة واحد حسب قوله.

تنامي العنصرية

وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد أعرب عن قلقه البالغ من تنامي مظاهر التمييز والعنصرية ضد فئات مختلفة في لبنان، والآثار الوخيمة التي تخلّفها الإجراءات والممارسات التمييزية على حياة مئات الآلاف من اللاجئين في البلاد. وفقًا لموقع “إضاءات“.

وقال المرصد في تقرير له صدر في مارس 2021 أنّ السلطات اللبنانية تفرض قوانين عنصرية على نحو 1.5 مليون لاجئ سوري، و175 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في البلاد.

إذ تقيّد تلك القوانين حقوقهم المكفولة في العمل والرعاية الصحية والتنقّل، وتجعلهم عرضة لمضايقات أمنية دائمة تحت ذرائع مختلفة.

وتقول الأمم المتحدة إن اللاجئين السوريين في لبنان يكافحون للبقاء على قيد الحياة وسط أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية تضرب البلاد، مشيرة إلى أن 60% من عائلات اللاجئين السوريين بلبنان يعيشون بمساكن معرضة للخطر، و30% من الأطفال اللاجئين السوريين لم يدخلوا المدرسة قط، و49% من عائلات اللاجئين يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

وقال المقرر الأممي الخاص المعني بمسألة الفقر وحقوق الإنسان “أوليفييه دي شوتر” إن معاملة اللاجئين السوريين في لبنان تتسم بالتمييز والمضايقة والعنف وخطاب الكراهية، ومن الخطأ اعتبارهم مصدراً للمنافسة على الوظائف والدعم والخدمات العامة.

وأوضح دي شوتر أن الكثير من اللبنانيين وأعضاء الحكومة يلقون باللوم دائمًا على اللاجئين السوريين ويتهمونهم بأنهم السبب في عدم تمكّن الحكومة من توفير السلع والخدمات الأساسية للسكان، سواء أكان التعليم أو الوظائف اللائقة أو الغذاء أو الماء أو الكهرباء.

وأشار إلى أن معظم اللاجئين السوريين يضطرون إلى شراء المواد الأساسية الاستهلاكية بأسعار ضخمة ومبالغ فيها، كما أنهم يتعرضون للعنف والاعتداءات المتكررة وحرق للمنازل وإخلاء قسري منها، إضافة إلى قيام بعض البلديات اللبنانية بفرض حظر تجول عليهم.

وتابع أن نحو 80% من اللاجئين السوريين في لبنان والذين تزيد أعمارهم عن 15 عاماً، لا يملكون إقامة قانونية في البلاد وذلك بسبب عدم مقدرتهم على دفع رسوم تصاريح الإقامة أو الحصول على كفيل لبناني. وفقًا لموقع “أورينت نيوز“.

ظروف قاسية

وتقول مفوضية شؤون اللاجئين إن اللاجئين يواجهون حالياً ظروفاً معيشية كارثية في لبنان، حيث يعيش 89% منهم  تحت خط الفقر المدقع، وما يقرب من نصف العائلات السورية تعاني من انعدام الأمن الغذائي.

ووضحت أنه نظراً للاحتياجات المتزايدة، فقد وجد العديد من اللاجئين أنفسهم مضطرين لاتباع آليات سلبية من أجل التكيف مع الظروف الصعبة ومن بينها مثل تخفيض عدد الوجبات، وإخراج أطفالهم من المدارس، وعمالة الأطفال، والمديونية، والتحرك بدافع من اليائس للقيام برحلات عن طريق البحر إلى قبرص. كما تعرض العديد من اللاجئين للطرد من منازلهم بسبب عدم قدرتهم على دفع الإيجار.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين