أميركا بالعربيالراديو

إنقاذ تراث الكُتّاب العرب في نيويورك ونصب تذكاري لتكريمهم

ترجمة: فرح صفي الدين

في شهر الاحتفاء بالإرث العربي والأمريكيين من أصول عربية، استعرض راديو صوت العرب من أميركا تاريخ “شعراء وكُتاب المهجر”، مثل إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة.

لا يعرف الكثيرين من العرب الأمريكيين هؤلاء الكُتاب والشعراء الذين تعود أصولهم إلى سوريا ولبنان عاشوا في الولايات المتحدة، وفي مدينة نيويورك على وجه الخصوص، وتركوا إرثًا هائلاً في الأدب العربي عامه.

يحاول بعض المهتمين بالتراث العربي من أعضاء الجالية العربية و غالبيتهم من سكان نيويورك إحياء ذكرى هؤلاء الأدباء العمالقة من خلال تأسيس عمل فني ليكون بمثابة “نصب تذكاري للكلمة العربية” في مانهاتن.

يناقش الصحفي خليل هاشم المشروع مع ضيوفه بوب ماضي والدكتور هاني بواردي والدكتورة ليندا جاكوبس، وجميعهم  أعضاء إداريين في جمعيه حفظ التاريخ و إنقاذ شارع واشنطن Save Washington Street historical Society، التي تهدف إلى إحياء تاريخ أول مجتمع ينطق باللغة العربية في أمريكا وهو الجزء غير المذكور في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

عن المشروع

يهدف مشروع Save Washington Street historical Society، إلى إحياء ما تبقى من أول منطقه سكنيه للناطقين باللغة العربية في أمريكا وهو جزء مهمل في تاريخ نيويورك و الولايات المتحدة الأمريكية.

نشأت أول جالية عربية في نيويورك بعد أن استقر المهاجرين العرب الأوائل في شارع “واشنطن”، وكان عليهم أن يتجاوزا العقبات الاجتماعية والثقافية ليكونوا جزءًا من المجتمع الجديد. وفي نفس الوقت لم يتخلوا عن موروثاتهم الثقافية، فكانوا يحاولون أن يكونوا هم جسرًا للتواصل بين هذا العالم في الغرب وموطنهم الأصلي في الشرق. وأسس هؤلاء العشرات من الجرائد و المجلات والنوادي الأدبية والاجتماعية.

وأيضا يشارك البروفسور بواردي في زيادة الوعي العام بالثقافة العربية والأدب من خلال عضويته في إدارة المركز العربي الأمريكي للثقافة و الفنون، ضمن مجموعة من الأدباء و الشعراء في مدينه ديربورن، مشيغان من خلال إقامة الندوات الشعرية أسبوعيًا، والاحتفالات العامة والتواصل مع الفنانين والأدباء والمنظمات التعليمية في سائر الدول العربية و الغربية.

تعمل جمعية إنقاذ شارع واشنطن في نيويورك على جمع التبرعات من أجل إقامة نصب تذكاري تكريمًا لأدباء المهجر وشعراء “الرابطة القلمية”، لكي تكون شاهدًا على إرثهم الثقافي، على أن يتم وضعه في إحدى الحدائق العامة بمانهاتن وبالقرب من شارع “واشنطن”.

صممت المشروع الفنانة الفرنسية المغربية سارة أوحادو، على أن يتكون من الحجارة والزجاج  والفسيفساء وتحمل داخلها نصوص مقتبسة من أعمال الشعراء.

ومن المتوقع أن يزور هذا المكان آلاف الزائرين بسبب قرب الحديقة من منطقة “جراوند زيرو” التي شهدت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

الضيوف ودورهم في المشروع

بوب ماضي: هو حفيد الشاعر إيليا أبو ماضي، نشأ وعاش في مدينة نيويورك، وهو من الجيل الثالث للعرب الأمريكيين. كما أنه رئيس مشروع رابطة “الحفاظ على المجتمع التاريخي لواشنطن ستريت” Save Washington Street historical Society.

على الرغم من أنه لم يتعلم اللغة العربية، إلا أنه يعيش على ذكرى وإرث جده. ويعتبر هذا هو ما حثه على إطلاق مشروعه للحفاظ اللغة وتراث أجداده وتخليد المجتمع الذي جاءوا منه. فهو ثمار لمجهود استمر بضعه أعوام ، حاول من خلالها التعرف على هذا التاريخ من خلال رؤيته كصانع أفلام.

د. هاني بواردي: أستاذ مشارك في التاريخ والدراسات العربية الأمريكية في جامعة مشيغان فرع ديربورن، يمتلك واحدة من أكثر المجموعات الأرشيفية شمولاً ومقابلات مسجلة بالفيديو من نوعها من المهاجرين الأمريكيين العرب الأوائل. له مؤلفات مثل “صناعة الأمريكيين العرب: من القومية السورية إلى الجنسية الأمريكية”.

يهتم بتأريخ قصص المهاجرين الأوائل الذين أتوا إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من 130 عامًا، بالإضافة إلى عمله في تطوير الدراسات العربية الأمريكية كجزء من منهاج شبه شامل عن العرب الأمريكان والمهاجرين الجدد.

 ليندا جاكوبس: كاتبة مستقلة وباحثة في نيويورك، حاصلة على دكتوراه في علم الآثار/ الأنثروبولوجيا في الشرق الأدنى. أمضت سنوات عديدة في العمل في الحفريات الأثرية ومشاريع التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وهي من الجيل الرابع للعرب الأمريكيين.

جاء جميع أجدادها من مختلف بقاع لبنان وكانوا أعضاء فيما يسمى بـ”المستوطنة السورية” بمانهاتن في القرن التاسع عشر، والتي تشمل هؤلاء من لبنان وسوريا وفلسطين.

أدركت منذ 10 سنوات أنه لا يوجد ما يوثق تلك الحقبة الزمنية أو تاريخ المهاجرين الأوائل في ذلك الوقت. وبكونها عالمة آثار، قررت أن تقوم ببعض الأبحاث في هذا الصدد لتجد نفسها في النهاية “مؤرخة” للمنطقة التي شهدت أكثر كتاب المهجر شهرة. فكتبت العديد من المؤلفات منها Strangers no more وStrangers in the West لتأريخ الفترة من 1882 و1900. كما أسهمت في المشروع بتناول أدب السالفين الذين لا تعرف الأجيال الحديثة من العرب الأمريكيين عنهم شيئًا.

“المخطوطات غيرت مسار حياتي”

قال د. بواردي إنه قام بجمع المخطوطات على مدى 15 عامًا من أبناء المهاجرين الأوائل، وهو الأمر الذي جعله يغير حياته المهنية. ففي مستهل بحثه المنهجي أراد ان يحلل هيمنه المهاجرين العرب على المتاجر المستقلة في مدينه فلنت في ولاية مشيغان، إلى أن التقى برشد (روي) فرح، ابن أول مهاجر عربي من الناصرة في فلسطين للمدينة عام 1913.  عندها أهداه رشد مجموعة من الكتب والمخطوطات التي تعود لوالده، وقادته إلى سلسلة طويلة من الجهود الأدبية والسياسية للنهوض ببلاد الشام كدوله مستقلة. وتشمل هذه الأوراق رسائل من ميخائيل نعيمه، ونسيب عريضه وأمين الريحاني. وهذا ما أرغم الدكتور بواردي على اعتناق الأكاديمية كحرفة.

ومن الأوراق التي وجدها، وكانت حجر الأساس لكتابه الذي تعرض فيه لبداية جهود العرب السياسية المنظمة في الولايات المتحدة، مجموعات شبه كاملة لكل من حزب سوريا الحرة، 1915؛ حزب سوريا الجديدة، 1925 ؛ الجامعة العربية، 1936؛ ومعهد الشؤون العربي الأمريكي، 1943. وهذا بالإضافة إلى “الخمائل” لإيليا أبو ماضي و”ملوك العرب” لأمين الريحاني، وبعض الأعمال الأدبية التي نشأ معها وتربى عليها منذ الصغر. ومن هنا بدأت العلاقة بينه وبين أمين فرح، شخص ما لم يقابله في حياته، الذي عاش في الفترة بين 1888  و1975.

تمكن من خلال ترجماته العديدة من معرفة نمط الحياة اليومية للمجتمع العربي في مانهاتن، وعلاقاتهم بالمجتمعات المهاجرة الأخرى مثل اليهود والأيرلنديين و الإيطاليين والبولنديين.

كما تحكي المخطوطات عن مقاومتهم للعثمانيين وسعيهم للاستقلال وكفاحهم ضد المستعمر الفرنسي والإنجليزي. وكيف أن ذلك كان خطوة هامة للاشتراك في الحياة السياسية في العالم الجديد وتكوين جماعات ضغط والتحدث باللغة الانجليزية، بالإضافة إلى شعورهم بالاندماج داخل المجتمع الأمريكي.

البروفيسور هاني بواردي في منزل روبرت ماضي، يتسلم هدية نسخه أصليه من أول ديوان للشاعر “إيليا أبو ماضي” من ابن الشاعر العملاق

أهمية النصب التذكاري

يقول السيد بوب ماضي إن هؤلاء الأدباء، الذين ينتمون إلى “رابطة الشعراء” في نيويورك، كان لهم إرث طويل وتاريخ عظيم لم نشأ أن يذهب طي النسيان. ولذلك أطلقنا اسم “رابطة الشعراء في الحديقة” أو Poets in the Park على المبادرة.

كما نتطلع أن يعمل النصب التذكاري لهم وتعريف المجتمع الأمريكي بالهوية العربية وإرث هؤلاء العظماء إلى تغيير الصورة النمطية السلبية عن العرب والتي علقت في الأذهان بعد أحداث 9/11، التي وقعت في نفس المنطقة التي نسعى إلى تدشين المشروع فيها.

أما د. جاكويس فترى أن هذا العمل هو تخليدًا لهذا النوع من الأدب الذي أتقنه غير المتعلمين والمتعلمين على حد النسيان في 1880، حيث كان الجميع يحب أن يلقي الأشعار في مختلف المناسبات مع عزف العود وأداء الرقصات العربية الأصيلة.

وأشارت إلى أن تلك الفترة شهدت قدوم العديد من المهاجرين الأُميين، الذين لم يعرفوا القراءة والكتابة. ومع هذا انتشر الشعر والأدب وتم إصدار أول جريدة في نيويورك عام 1892 وكانت تضم أشعار كتبها أشخاص من الجالية العربية، ليس فقط في نيويورك ولكن في الولايات الأمريكية جميعها.

وقالت إن كل هذا المناخ خلق شعرًا ذو طابع خاص لدى الرابطة وهو ما نحاول الاحتفاء به من خلال هذا المشروع.

وأوضح د. بواردي أن شعراء الرابطة هم تجسيد للعرب من جميع البقاع والأطياف، كما أنهم تجربة حية للمهاجرين الأوائل في الولايات المتحدة.

أهمية الترجمة 

يقول السيد ماضي إنه أدرك مؤخرًا حجم وأهمية الإرث الذي تركه له جده الشاعر الكبير، سواء من مخطوطات ومؤلفات ومكاتبات ومكتبة مليئة بالكتب الأدبية، حيث أنها لم يتم نشرها أو عرضها من قبل. وأوضح أنه يفكر في عمل فيلم سينمائي عن ذلك، من خلال الاستعانة بأدباء يعيدون هذه السطور إلى الحياة وإلقاءها بشكل جذاب بمصاحبة الموسيقى.

كما أشار إلى مجهودات لترجمة هذه الأعمال الأدبية لشعراء الرابطة حتى تكون متاحة باللغتين للجميع. وجدير بالذكر أن الدكتور باواردي أمضى ثلاثة أيام في منزل روبرت ماضي، ابن إليا، خاض خلالها غمار كنوز إليا أبو ماضي من الكتب والمجلات والمذكرات لكي يقيم أهميتها.

وفي المقابل، أكد المضيف هاشم على أن ترجمة تلك الأعمال الأدبية بشكل احترافي وجعلها متاحة باللغتين العربية والإنجليزية، سيحافظ على هذا الإرث من الاندثار وسيجعله محفورًا في ذاكرة الأجيال الجديدة من العرب الأمريكيين الذين يعرفون القليل عن اللغة العربية أو ربما لا يعرفون عنها شيئًا.

ويقول د. بواردي إنه بدون ترجمة بعض الأعمال، مثل مجموعة رزق حداد الأدبية ومذكرات حبيب إبراهيم كاتبة ومؤلفات فؤاد شطارة والعديد من الأدباء داخل وخارج الرابطة القلمية، لن نتمكن من بناء صورة واضحة لحياة المهاجرين العرب في الولايات المتحدة.

وقد ذكر د. بواردي مشروع هام في هذا الصدد، وهو كتاب جديد للدكتور نبيل مطر، وهو بروفسور بجامعة مينيسوتا من التوصل إلى المنظور الذي استقبل به العرب المجتمع الجديد في الولايات المتحدة بداية من عام  1876 إلى 1914 وقام بتجميع كل تلك المعلومات في مجلد كامل يحمل عنوان The United States through Arab eyes.

ويقول د. بواردي إن هذا العمل وحده لا يكفي، فربما نحتاج إلى العشرات من المجلدات لفهم تلك المرحلة من حياة المهاجرين العرب، ليس فقط من منظور شعراء الرابطة ولكن أيضًا هؤلاء الذين كانوا يحيطون بهم مثل السيد عباس أبو شقرة الذي عاش في مشيغان قبل أن ينتقل إلى المملكة المتحدة.

ولديه العديد من المؤلفات باللغة العربية، والتي إذا تم ترجمتها إلى الإنجليزية ستعمل على ملأ الأجزاء الناقصة في أحجية تجربة الشعراء في نيويورك، بسبب الترابط بين الجاليتين في كلا الولايتين.

وأكدت د. جاكوبس أن الصحف القديمة التي صدرت باللغة العربية في الولايات المتحدة تعتبر مصدرًا يزخر بالمعلومات والتي يجب أن يتم ترجمتها، مثل صحيفة “كوكب أميركا” باللغة العربية التي نُشرت في نيويورك عام 1892 من قِبل نجيب عربيلي وأخوه إبراهيم وتوقفت عن الصدور في 1908 وهي أول صحيفة عربية نشرت في الولايات المتحدة. قام الصحفي نجيب دياب بالتحرير فيها حتى عام 1899.

بالإضافة إلى صحيفة “الهدى” وهي جريدة مهجرية باللغة العربية تأسست في فيلادلفيا عام 1898للصحفي اللبناني نعوم مكرزل وانتقلت إلى نيويورك عام 1902.

وأضاف د. بواردي أن اثنتين من أهم هذه الجرائد هما مرآة الغرب ومحررها نجيب دياب، وجراب الكردي ومحررها أنطون زريق، الذي قتله الأتراك خلال زيارته لأقاربه عام 1915.

مساهمة الجالية العربية

يقول د. بواردي إن هناك رابط مشترك بين أبناء الجالية العربية في كل مكان، سواء يتحدثون اللغة العربية أم لا، وهي أن الجذور العربية الواحدة تجعلنا نهتم بالقضايا العربية ونبحث في تراث الأجداد والآباء ونقوم بترجمة ما يمكننا تكريمًا لهم وأحياءً لذكراهم من خلال هذا النصب التذكاري.

كما أعلن أن الفريق المشارك في هذا المشروع، الذي يعتبر الأهم في تاريخ العرب الأمريكيين، يرحبون بمن يمكنه المشاركة أو المساهمة، سواء المادية أو المعنوية، لإنشاء رمز دائم لتاريخ وذكريات لا يمكن أن تُنسى في نيويورك على وجه الخصوص.

للاطلاع على المزيد من التفاصيل، برجاء زيارة الموقع الرسمي لمؤسسة “المجتمع التاريخي لواشنطن ستريت”Washington Street historical Society in New York City

https://www.wshsnyc.org/

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين