الراديوبرامجنا

إدلب المنسية.. معاناة تحت القصف وجرائم ضد الإنسانية

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

لا تزال الأزمة السورية تفجعنا كل يوم بأنباء صادمة عن ضحاياها، حتى أصبحت تصنف ضمن أكبر الأزمات الإنسانية على مر التاريخ، وفي القلب منها “”، تلك البقعة المنكوبة التي وقعت فريسة لصراع لا ينتهي بين أطراف لا تفهم سوى لغة الموت والتدمير، ليضعوا أهلها في خيار صعب بين الموت أو حياة صعبة تشبهه.

“إدلب” المنسية تواجه كل يوم جرائم ضد الإنسانية، بينما العالم مشغول بـ”” وصفقة القرن ومحاكمة وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكننا في “صوت العرب من أمريكا” قررنا أن نذكر العالم بما يجري هناك، ليس في إدلب وحدها، وإنما في الداخل السوري كله، من مآسي إنسانية يندى لها الجبين.

الإعلامية “ليلى الحسيني” وحلقة هامة من برنامج “شاهد عيان” مع ضيوفها من الداخل السوري الدكتورة “”، وهي طبيبة مقيمة في إدلب، حيث تقدم لنا شهادة مهمة حول المأساة الإنسانية في إدلب ومعاناة الأطباء في إغاثة ضحايا القصف الذي لم تسلم منه حتى المستشفيات (MedGlobal)، والدكتور “”، مؤسس ورئيس المنظمة الطبية الدولية، وذلك للحديث أيضا حول جهود الإغاثة على الأرض لأهالي سوريا وإدلب.

أزمة معقدة
* تشهد سوريا منذ منتصف مارس 2011، نزاعًا داميًا بدء باحتجاجات شعبية سلمية ضد النظام، سرعان ما قوبلت بالقمع والقوة من قوات النظام، قبل أن تتحول حرباً مدمرة، شاركت فيها أطراف عدة، تسببت الحرب السورية، منذ اندلاعها، قبل نحو 9 سنوات بمقتل أكثر من 400 ألف شخص، بينهم ما يزيد على 115 ألف مدني، وفق حصيلة جديدة نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان.

د. زاهر؛ كيف ترى هذه الأزمة الآن واقعًا، وهى التي تستمر منذ 9 أعوام؟

** بدايةً؛ أنا طبيب مقيم في شيكاغو، ولكن خلال السنوات الـ 9 الماضية ساهمت بعمليات إغاثية في سوريا، خاصة في الناحية الطبية، وقد بدأنا في برامج من خلال الجمعية الطبية السورية ـ الأمريكية، لإيصال الدواء والعلاج للمرضى في كل مكان في سوريا، خاصة في المناطق خارج سيطرة النظام.

وخلال الـ 3 سنوات الماضية، وبالتعاون مع المؤسسات العاملة على الأرض هناك مثل مؤسسة “بنفسج” وغيرها، نحاول أن نقدم العلاج إلى إدلب، طبعًا الأزمة السورية هى أكبر الكوارث الحالية في العالم، فأنا قد ذهبت مع MedGlobal إلى عدة مناطق حول العالم، بما فيها غزة واليمن وبنجلاديش، ولكن سوريا هى أسوأ الكوارث من ناحية حجم المأساة.

فنحن نتحدث عن نصف مليون شخص قتلوا، و128 ألف شخص في السجون والمعتقلات، ونصف سكان سوريا موزعين بين لاجئيين في الخارج أو نازحين في الداخل، إلى جانب تدمير المدن والبنى التحتية، واستخدام الأسلحة الكيماوية واستهداف المدارس والمشافي، وهذه أمور لا نراه الآن سوى في سوريا. والأزمة السورية لم تؤثر على سوريا وحدها، بل على بلدان الجوار، وكذلك أوروبا، وأمريكا نفسها تأثرت.

أنا كنت في إدلب في الأسبوع الأول من يناير هذا العام، والتقيت بالدكتورة “لبنى سعد”، وذلك بسبب النزوح الأخير، وإدلب هى بالمناسبة محافظة سورية من أصل 16 محافظة، وهى المحافظة الشمالية الغربية، وعدد سكانها حاليًا 3 ملايين شخص، منهم 1.5 مليون هم من النازحين من مناطق أخرى مثل حلب وحمص والغوطة، وإدلب مثل غزة، سجن كبير، فلا مجال للسكان للخروج منها.

وبالرغم من كونها على الحدود مع تركيا، لكن تركيا تمنع خروج أي نازح من إدلب، بسبب أن تركيا بها 3.9 مليون لاجئ سوري، وليس لديها قدرة على استيعاب المزيد من اللاجئين، وخلال زيارتي الأخيرة لإدلب.. شاهدت 1150 مخيم للنازحين في إدلب، وتصوروا أن هذه المخيمات تؤوي 1.5 مليون شخص، وفي ظل هذا الشتاء القارس فإن الأمور تسوء جدًا، هذه الأرقام بمفهوم الكوارث العالمية تعد كارثة كبيرة، وبالرغم من ذلك لا نرى أي اهتمام من وسائل الإعلام الأخرى بها.

ويلات الحرب
* د. لبنى؛ البعض اختصر الموضوع في معارضة وموالة، رغم أن الأزمة ليست بهذه البساطة، بل هناك صراع دولي في سوريا، ومن يدفع الثمن دائما هم الأبرياء، وحضرتك أقدر على نقل الصورة الحقيقية لمستمعينا، نبدأ معكِ بالحديث عن تجربتك وما شاهدتينه من ويلات هذه الحرب.

** أنا مقيمة بمدينة منذ زمن طويل، ووالدي من ، ولا ننسى أبدًا الأزمة السابقة التي كانت في في الثمانينات، بالرغم من أنها قد انطمرت مع الزمن، ولكن مع بداية الثورة قوبلت المظاهرات السلمية بالرصاص والقمع، ثم تطورت المواجهة إلى البراميل المتفجرة والصواريخ، إلى أمور لم نكن نتخيلها أبدًا، فهذه كارثة لا توصف بكلمات.

ومع ذلك، كنا نتحمل القصف وصامدين في بيوتنا، ولكن مع توحش الهجمات اضطررنا إلى النزوح، للتخفف من وطأة العنف الوحشي الذي يمارسه جيش ، فـ 10 سنوات من التعرض للقصف، سواء منازل أو مدارس أو مشافي أو غيرها، فمنزلي كان بالقرب من أحد المشافى، وفي يوم 2 يناير 2018 تعرضت المنطقة السكنية التي أقطنها لـ 6غارات، وفي اليوم التالي تم قصف المشفى، وقد أُصِيبت والدتي في هذا القصف أيضا.

استهداف المشافي
* في إطار توثيقنا لشهادتك للتاريخ، د. لبنى؛ هناك من يقول أن إدلب بها جماعات مقاتلة، وأنها مركز للإرهاب، فلماذا يتم قصف واستهداف المشافي تحديدًا؟، هل هناك مقاتلين مختبئين في المشافي؟

** مدينة معرة النعمان هى كأي مدينة، لا يوجد أي مقر عسكري بالقرب من أي مشفى، ونحن لا نفهم لماذا يقوم النظام باستهداف المشافي والمدارس!، فعلى سبيل المثال أعود لأتحدث عن المشفى الذي كان قريبًا من منزلي، وهو مشفى السلام التخصصي، وهو متخصص في أمراض النساء والتوليد، وبه حواضن أطفال بعمر أقل من شهر، فلماذا يتم قصف هذا المشفى!، والأغرب أنهم لم يكتفوا بقصفه بغارة واحدة فقط، بل بـ 3 غارات.

* د. زاهر؛ هل تعقيب على ما قالته د. لبنى، وعن استهداف النظام للمشافي بشكل خاص، عبر غاراته الجوية المتعددة.

** هذا أمر يعتبر من أكبر الجرائم ضد الإنسانية، فاستهداف المشافي والأطباء والممرضات هى جريمة حرب باعتراف القانون الدولي، وهذا أمر متعارف عليه منذ 150 عام بحسب بروتوكول جينيف، فتوفير الحماية للمشافي في أوقات الحروب أمر ضروري ومنصوص عليه، حتى وإن كان يعالج فيه جنود الأعداء. فكيف الحال إذا كانت هذه المشافي تعالج مرضى أو نساء حوامل أو أطفال؟!

فما فعله النظام السوري، ومعه الروس والإيرانيون، خلال 9 سنوات، لم تحدث طوال التاريخ!، ولأن الشئ بالشئ يُذكر.. فإن الولايات المتحدة قد قصفت بالخطأ مشفى في أفغانستان، وبعدها رأينا محاكمات وتحقيقات حيال الأمر، وتم تقديم إعتذار، وتوضيحات بأن الأمر قد تمّ دون قصد وبسبب خطأ.

وإذا كنا نتحدث عن قصف مشفى واحد في أفغانستان، ومشفى واحد في غزة، وفي اليمن تقريبًا 3 مشافي، لكن في سوريا تم قصف 580 مشفى، وقُتِلَ 910 طبيب سوري، تصوروا لو أن مثلًا طبيب واحد في أمريكا قد قُتِلَ لأنه يعالج مريض!، مؤكد أن الدنيا كلها سوف تُقلب رأسًا على عقب.

بالأمس؛ قُتِلَ الدكتور “” مدير مشفى الشامي في أريحا، وأنا كنت قد قابلته منذ عدة أشهر في مشفى أريحا، والمشفى كان مليئًا بالمرض المدنيين المصابين بسبب القصف، فما ذنب د. طماع أن يُقتل؟، وما ذنب المشفى كي يقصف ويتم تدميره وهو قائم على مداواة المرضى؟!

صورة حقيقية للحرب
* د. زاهر؛ هناك من يشير إلى أن الوضع في سوريا عبارة عن جماعات متطرفة تقاتل النظام، ويجب أن يستتب الأمن ويسود الآن بأي طريقة حتى تعود سوريا كما كانت؛ فهل ترى هذا واقعيًا برأيك؟، وهل تدخل الأطراف الدولية في هذه الحرب قد ساهم بشكل كبير في إذكاءها وإذكاء الطائفية إلى اليوم؟

** طبعًا من يصور الأمر بهذا الشكل، فإنه يعطي العذر والمبرر للنظام لارتكاب الجرائم بحق السوريين، فالحروب كلها لها قوانين، فلا عذر أو مبرر لاستهداف الأطفال والمرضى والمشافي، فمنذ إبريل الماضي حتى الآن هناك طفل يُقتل في سوريا يوميًا، بحسب إحصاءات Save the Children، وخلال شهر واحد في 2019 قُتِل أطفال في إدلب أكثر من عدد الأطفال الذي نقُتلوا في سوريا بأكملها منذ عام 2018.

فحتى في حالة وجود متطرفين؛ فإن هذا لا يعني حصار 3 ملايين شخص حتى يموتون من الجوع، ولا يبرر استهداف المشافي والمدارس، ويزداد الأمر سوءًا مع دخول بعض الدول على خط الأزمة، نظرًا لوجود مصالح لها في ذلك، فسوريا صارت ساحة حرب بين الدول.

* د. زاهر؛ هناك من يشير أيضا إلى ارتكاب جرائم حرب أيضا من قِبَل الفصائل المقاتلة، ونظرًا لأن حضرتك كنت هناك، فهل هذا واقعًا وحقيقيًا؟

** بدايةً، وحتى نكون عادلين في شهادتنا وتوصيفنا للحقيقية، فإن المتطرف لا يلتزم بأي قوانين أو معاهدات، وذلك بحسب تعريف القانون الدولي، والنظام السوري موقع على معاهدات دولية حول حماية المدنيين والمشافي، فإذا كنا نقول لفصيل مقاتل، أو حتى لو تجاوزنا وقلنا فصيل متطرف، لماذا لا تلتزم بالقانون الدولي، رغم كونه غير موقع على تلك المعاهدات، فما بالنا بالنظام السوري الذي هو موقع عليها؟!

ليس هناك مقارنة بين ما ترتكبه المجموعات المقاتلة وبين ما يرتكبه النظام السوري، فبحسب الإحصائيات فإن النظام هو من دمر 580 مستشفى، وقتل 910 طبيب وطبيبة، واستخدم الكيماوي اكثر من 200 مرة، في حين أن الجماعات المسلحة لم تفعل ذلك.

الناس تكره الحرب، وبالتالي فإنهم يكرهون الجماعات المسلحة وكذلك النظام، ونحن كعرب ومسلمين لا يجب بأي شكل أن نؤازر القتل، فـ “صلاح الدين الأيوبي” أرسل من عنده طبيب لعلاج “ريتشارد قلب الأسد”، والرسول “صلى الله عليه وسلم” أمرنا بأنه إذا كان هناك جريح في الحرب، فيجب أن يُعالج وتوفر له الحماية. وأنا أستغرب جدًا أننا نتعاطف مع الحيتان التي يتم اصطيادها في المحيطات، في حين لا نجد نصف هذا التعاطف مع السوريين!، أليسوا بشرًا؟!

معاناة الأطفال
* بحسب إحصاءات الأمم المتحدة فإن هناك 470 ألف شخص صحايا الصاع حتى الآن، وهناك 12 مليون شخص فقدوا منازلهم، و5 ملايين شخص من بينهم النساء والأطفال فروا إلى خارج البلاد، والتقدير الأخير لعدد سكان سوريا قبل الحرب 23 مليون نسمة، الآن منهم 12 مليون مشردين ولاجئين وهم في أمس الحاجة للمساعدات الإنسانية العاجلة.

د. لبنى؛ حدثينا عن معاناة الأطفال في خضم هذه الحرب؟، ماذا يأكلون؟، وكيف تعالجونهم وتخففون عنهم وطأتها؟

** حقيقةً فإن المعاناة كبيرة وتتعاظم مع الوقت، وأسوأ شئ هو أن يتحول الإنسان فجأة إلى إنسان مشرد، تاركًا منزله وأملاكه ورزقه، ويصبح كل أمله هو الحصول على خيمة، وبالنسبة لي وبحكم عملي في مشفى للأطفال؛ فإن حالات سوء التغذية كبيرة جدًا، فقد جاءتني ذات يوم أم تحمل طفلها، وسألتها ماذا تغذيّه؟، فقالت: ماء وسكر فقط!

الأمور وصلت لمستوى خطير، وبالإضافة إلى سوء التغذية فإن الأمراض تنتشر بكثرة، وأبرزها الأمراض التنفسية، ففي ظل الشتاء القارس وغلو سعر الخشب للتدفئة، فإن الناس يلجأون إلى حرق البلاستيك والأحذية القديمة وغيرها من المواد الضارة، بغرض التدفئة، وهى تتسب في أمراض تنفسية عديدة.

معاناة الكوادر الطبية
* د. لبنى؛ ماذا عن معاناة الكادر الطبي في ظل هذه الظروف الصعبة؟، كيف تقدمون الرعاية الصحية في ظل هذه الاوضاع؟

** للأسف فإن المستلزمات الطبية غير موجودة، أبسط الأدوية الإسعافية غير متوفرة، حتى حليب الأطفال.. نحن غير قادرين على تقديمه للأطفال في المشفى الذي أعمل فيه، إلى جانب ذلك.. هناك حالة من الخوف والقلق والفزع المستمر في المشافي سواء للمرضى أو الكادر الطبي عمومًا.

يُضاف إلى ذلك أن الكادر الطبي الموجود حاليًا غير متكافئ تمامًا مع عدد المرضى، فأنا كطبيبة أطفال واحدة بالمشفى حاليًا أقوم بمتابعة 50 إلى 60 طفل في اليوم، وهذا الوضع مستمر منذ سنوات، ولكنه ازداد سوءًا خلال الفترة الأخيرة.

حلول متوقعة
* د. زاهر؛ الآن الأزمة، بشقها السياسي، معروفة. فما هى الحلول المتوقعة للأزمة؟، ماذا يجب على السوريين أن يفعلوا؟، وما الدور المنوط بالمجتمع الدولي أن يقوم به الآن؟

** لدينا مثل في اللغة العربية يقول “مالا يدرك كله، لا يترك كله”، وفي الحقيقة الأزمة كبيرة جدًا، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يؤثر على سياسات الدول كي تتوقف الحرب، فبإمكانه أن يساعد ويمد يد العون لإنقاذ الأرواح.

عندما كنت في إدلب، والتقيت بالدكتورة “لبنى”، خلال الأسبوع الأول من يناير وبعد النزوح الأول من معرة النعمان، أخذت معي مساعدات من عدة مساجد وكنائس في أمريكا، فمثلًا mormon church تبرعوا بـ 150 ألف دولار، وهناك امرأة من شيكاغو لا هى عربية أو سورية أو مسلمة، صنعت بنفسها ألعاب للأطفال، وطلبت منيّ إعطاءها لأطفال النازحين في المخيمات لرسم البسمة على وجوههم.

لذا فإنه من الضروري أن يساهم الناس في دعم وتمويل المؤسسات الإغاثية العاملة على الأرض، مثل مؤسسة “بنفسج”، ومؤسسة “رحمة”، ومؤسسة ” MedGlobal”، وغيرها من المؤسسات، وعلى كل المساجد والكنائس والمؤسسات والجالية السورية والعربية أن يكونوا أكثر كرمًا.

نحن كنا في نيويورك من يومين، في اجتماعات مع السيد الأمين العام للأمم المتحدة، وبحضور ممثلي عدة دول كبرى، للتباحث حول الأزمة السورية، وطالبنا منهم بوضوح زيادة حجم المساعدات عبر الحدود التركية للسوريين الموجودين في إدلب، وكذلك الضغط على الروس لإيقاف القصف، حتى يتمكن الناس من النزوح من إدلب المحاصرة.

بالنسبة لنا، هنا في أمريكا، فمن واجبنا أن نستمر في الضغط على نواب الكونجرس وعلى الساسة وأن نصل بأصواتنا إلى الإعلام كي نعرض معاناة أهلنا في سوريا، وأن نواصل الضغط كي تتوقف الحرب، أنا أتذكر أنه منذ عدة أشهر، قام الرئيس ترامب بكتابة تغريدة عن إدلب، فتوقفت الحرب في إدلب.

وضع إنساني كارثي
* د. لبنى؛ على الأرض.. كيف ندعم من يعانون في ظل هذا الوضع الإنساني الكارثي الموجود في سوريا حاليًا؟، فأنتِ تعرفين احتياجات الناس فعليًا وبشكل أوضح من خلال الحالات التي تمر عليك بالمشفى.

** أول وأهم شئ هو أن تتوقف الحرب أولًا، ولا أظن أن هناك شئ سيعوض الناس عن من فقدوه، لكن في الإطار فنحن بحاجة ماسة إلى تأمين مساعدات طبية وغذائية لهؤلاء الناس، فحتى الخيمة صارت حلم للنازحين.

فمن شدة صعوبة الوضع؛ يمكنني أن أختصره بالقول بأنه لا يمكن وصفه بالكلمات، فقلوبنا تحترق على كل منطقة يتم قصفها، وكل سوري يتألم أو يُقتل، فأحلامنا باتت أن تعود إلينا سوريا مثلما كانت، ولكن طبعًا بدون “بشار الأسد”.

نهاية الصراع
* د. زاهر؛ هناك من يرى أن الصراع في سوريا لن يتوقف دون تحقيق الإنتقال السياسي الذي يضمن تغير نظام الحكم، ويفتح الباب أمام عودة السوريين في الداخل والخارج للعودة إلى بيوتهم، ووقف الحرب الأهلية، فهل ترى ذلك يمكن أن يتحقق فعليًا على أرض الواقع؟

** المؤسسة المسؤولة عن تحقيق السلام في العالم هى الأمم المتحدة، ولكنها فشلت في الملف السوري، مثلما فشلت في ملفات أخرى من بينها الملف الفلسطيني وما إلى ذلك، وبالنسبة لمجلس الأمن فإن هناك قرار صادر عنه وهو 2254 وهو الذي يوضح الطريق للخروج من الأزمة في سوريا، حيث ينص على ضرورة وجود حكومة انتقالية بين النظام والمعارضة، وهى التي من شأنها أن تمهد الطريق للانتخابات.

فالأمل الوحيد هو أن يصير هناك تغيير سياسي، وهذا التغيير السياسي يجب أن يكون متدرج، وهو من شانه أن يؤدي غلى إيقاف الحرب في سوريا، إلى جانب وجود عدالة انتقالية لمحاكمة كل مجرم حرب في هذه الحرب، وهذا كله من شأنه أن يتحقق السلم الأهلي في النهاية.

* د. زاهر؛ هذا هو الشق السياسي، لكن بالنسبة للشق الإنساني، خصوصًا بشأن ما يحدث الآن في إدلب. هل من الممكن الآن أن يتم نقل المساعدات إلى الداخل وإيصالها إلى من يحتاجونها؟

** موضوع إدلب متفاهم عليه بين وروسيا وتركيا، ضمن ما يسمونه “لقاءات أستانا”، والتي تضمن بقاء إدلب منطقة آمنة، وهذا الامر تم اختراقه، حيث ألغته روسيا ومعها النظام من خلال الحرب التي بدأوها منذ بداية أبريل، وأدت إلى تدمير ونزوح أهالى معرة النعمان وأريحا وسراقب.

حاليًا رغم الحرب، هناك استمرار للمساعدات عبر الحدود التركية، من خلال معبرين، هما: معبر باب الهوى، ومعبر باب السلامة، ومعظم مساعدات الأمم المتحدة يتم إدخالها من خلالهما، وبدونهما كان من الممكن أن نسمع أن الناس يأكلون الحشيش أو الجراد أو الفئران، مثلما سمعنا عن ذلك في الغوطة والزبداني ومضايا.

رسالة أخيرة
* د. زاهر؛ رسالة أخيرة توجهها الآن إلى مستمعينا، على مختلف إنتماءتهم، توثق بها حدثينا لهذا الصباح.

** ساخبر المستمعين عن قصة عشتها بنفسي في أحد مخيمات النازحين في إدلب، حيث قمنا بعمل برنامج ترفيهي للأطفال للترويح عنهم، في محاولة لإخراجهم من حالة الفزع الدائم التي كانوا يعيشونها بسبب القصف المستمر، وأثناء البرنامج أخبرتهم بانني طبيب أعمل في شيكاغو، وسألتهم: من منكم يريد أن يصبح طبيبًا عندما يكبر؟ .. فكل الأطفال رفعوا أيديهم. فأماني الأطفال السوريين كلها مشرقة وكلهم طواقين للنجاح والنبوغ.

وسألتهم كيف تريديون أن نساعدكم كجالية عربية أو سورية موجودة في أمريكا؟، طفلة منهم اسمها “أسماء”، عمرها 12 عام، أخبرتني أنها قد نزحت مع أسرتها 7 مرات قبل أن تصل إلى هذا المخيم، وأخبرتني أنها تذهب إلى مدرسة قريبة من المخيم، وتمشي حوالي ساعتين تقريبًا حتى تصل إليها، ولكن الطريق كله من الطين، فقالت أنها تتمنى لو أن يتم استبدال الطين بالحصى، لتسهيل المشي على الطريق.

فبالرغم من كل هذه الحرب؛ فإن الأطفال هناك يطمحون إلى أن يصيروا مهندسين وأطباء ومعلمين، و”أسماء” تحلم بأن تمشي على الحصى بدلًا من الطين كي تسهل رحلتها من أجل التعليم، أحلام بسيطة، ونحن يمكننا ان نساعدهم على تحقيقها بسهولة، بأن نحميهم من القصف وأن نوفر لهم التعليم والتغذية، فمن المؤكد أنهم سيصبحون جيل نفتخر به حول العالم، وهذه مسؤوليتنا تجاههم.

* د. لبنى؛ في دقيقة أخيرة، أودّ أن أوثق معكِ شهادة إلى الجاليات العربية التي تستمع إليكِ الآن؟

** نتمنى من الجاليات العربية ومن كل إنسان لديه ضمير أن يخصص جزء من وقته ليرى معاناة السوريين، وأن يساعدهم، لأن الأمر هنا ليس كما تتناقله بعض وسائل الإعلام بأن الموجودين هم جماعات متطرفة، هذا غير صحيح، فمن هم موجودون هم نساء وأطفال وأشخاص بحاجة إلى العون والمساعدة.

Advertisements

تعليق
الوسوم

موضوعات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Click to Hide Advanced Floating Content
إغلاق

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين

%d مدونون معجبون بهذه: